يعاني سكان عدة مناطق في مديرية مشرعة وحدنان بريف تعز جنوب غربي اليمن من أزمة متزايدة في المياه نتيجة انخفاض هطول الأمطار، مما أدى إلى أزمة حقيقية، مما أدى إلى إطلاق مبادرات مجتمعية لتلبية احتياجات السكان من المياه.
يقول المواطن اليمني سعيد ناصر لـ”العربي الجديد”: “أبلغ من العمر 70 عامًا، ولم أختبر في حياتي أزمة جفاف مثل هذا السنة. لم يسبق أن جاء فصل الصيف دون أن نجد مياه شرب، كنا نعتمد على السقايات لاحتجاز مياه المطر خلال الصيف، وهذا يكفي للاستخدام طوال السنة عادةً، مع وجود فائض في الأغلب. كل أسرة لديها سقايتها الخاصة، لكن هذا السنة جفت المياه في جميع السقايات بسبب قلة الأمطار.”
أطلق الشاب محمد العزي مبادرة بعنوان “سقيا الماء”، مستغلًا وسائل التواصل الاجتماعي لمساعدة سكان منطقته الذين يقدر عددهم بحوالي 40 ألف نسمة، بعد أن جفت مياه “السقايات”، وهي الخزانات التي يستخدمها الأهالي لتجميع مياه الأمطار. يقول العزي لـ”العربي الجديد”: “عندما لاحظت أن أبناء منطقتي لا يملكون مياه كافية بسبب الجفاف، قررت أن أحاول تقليل تأثير الأزمة، فتأسست مبادرة (سقيا الماء). قمت بنشر صور تعكس حجم المأساة عبر وسائل التواصل وفتحت باب التبرعات للمغتربين من أبناء المنطقة. كان الحل المتاح لإنقاذ الأهالي هو شراء المياه من آبار المدينة وتوزيعها مجانًا.” يضيف: “واجهتنا تحديات في عدم قدرة شاحنات نقل المياه على الوصول إلى القرى بسبب صعوبة الطرق، فقمنا بتجهيز صهاريج مياه سعة 2000 لتر على سيارات دفع رباعي، ثم اشترينا المياه من المدينة ونقلناها إلى القرى. كما فتحنا باب التبرعات لتغطية النفقات، وبدأنا في توزيع صهريج أو اثنين يوميًا على كل قرية، حيث تحصل كل أسرة يوميًا على 20 لترًا من الماء، ومع تقدم المبادرة زادت الكميات الموزعة.”
يشير العزي إلى أن “صهريج الماء سعة 2000 لتر يكلف 80 ألف ريال (حوالي 30 دولارًا)، ويتم جلب الماء من منطقة الضباب التي تبعد نحو 15 كيلومترًا عن المنطقة، لكننا مضطرون للشراء لأنه الحل الوحيد، ونناشد الميسورين للاستمرار في تقديم الدعم لإغاثة الأهالي.”
يوقف عبد الله هزاع (58 عامًا) نفسه في طابور طويل على أطراف قريته في مشرعة وحدنان، حاملاً غالون مياه فارغاً في انتظار وصول السيارة التي تحمل صهريج الماء لتوزيعه ضمن المبادرة التي أطلقها فاعلو خير لإغاثة السكان الذين يعانون من أزمة جفاف غير مسبوقة.
ورغم قرب المنطقة من مدينة تعز (10 كيلومترات)، فإنها محرومة من مشاريع المياه، مما اضطر الأهالي للاعتماد على تجميع مياه الأمطار في السقايات لتلبية احتياجاتهم، خاصة أن المنطقة خالية من الآبار وعيون الماء.
تتكون السقاية من حوض عميق مبني على شكل صهريج، ويحتوي على بركة ودرج يفصل بينهما ما يسمى بـ”باب العقد”، وغالبًا ما تُسقف بالخرسانة. وتراوح سعة السقايات المنزلية في المتوسط بين 20 مترًا مكعبًا و100 متر مكعب، وتعد المصدر الأساسي للحصول على المياه المستخدمة في الشرب والاحتياجات المنزلية، كما تُستخدم أيضًا في الري.
تسببت أزمة الجفاف أيضًا في خسارة الأهالي للموسم الزراعي، مما زاد من تفاقم أزماتهم المعيشية المتردية أصلاً في ظل الارتفاع الكبير في أسعار المواد الغذائية بالإضافة إلى الانهيار المتسارع في سعر صرف العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية.
تتزامن الأزمة مع أزمة مياه تعاني منها مدينة تعز حيث ارتفع سعر “وايت” الماء سعة 6000 لتر من 30 ألف ريال إلى 120 ألف ريال، كما ارتفعت أسعار مياه الشرب بنحو أربعة أضعاف، ويبلغ الإجهاد المائي في تعز حوالي 300%، أي إن المدينة تستهلك ثلاثة أضعاف المياه التي تُدخل إلى أحواضها المائية.
قبل اندلاع الحرب في عام 2015، كانت مدينة تعز تعتمد على 88 بئراً، واليوم لا يعمل منها سوى 21 بئراً، مما يعني فقدان 67 بئراً بسبب الحرب. كما فقدت أكثر من 127 كيلومترًا من شبكة توزيع المياه، ولم يتبقّ في الخزانات سوى 5768 مترًا مكعبًا من أصل أكثر من 20 ألف متر مكعب من المياه.
عدد الأحواض المائية التي تغذي الشبكة السنةة لتوصيل المياه في محافظة تعز هو 5 أحواض، 2 منها تحت سيطرة جماعة الحوثيين، وهما حوضا الحيمة حبير والحوبان، و2 آخران على الخطوط الأمامية للنزاع مما يمنع المؤسسة المحلية للمياه والصرف الصحي من الوصول إليهما، وهما حوضا الضباب والحوجلة، ولا يزال أحد الأحواض تحت سيطرة السلطة التنفيذية الشرعية، وهو حوض المدينة.
اخبار وردت الآن: مبادرات محلية لتوفير المياه لأهالي ريف تعز
في ظل الظروف الماليةية والصحية الصعبة التي يعيشها أهالي ريف تعز، ظهرت مبادرات محلية مميزة تهدف الى تحسين مستوى توفر المياه، مما يعكس روح التعاون والتكاتف بين أبناء المواطنون.
تحديات نقص المياه
يواجه ريف تعز تحديات كبيرة تتمثل في نقص المياه الصالحة للشرب، حيث يعتمد الكثير من الأهالي على مصادر مياه تقليدية، مثل الآبار والأنهار، والتي غالبًا ما تكون ملوثة. وقد أدى المواجهة المستمر في المنطقة إلى تفاقم هذه الأزمة، مما زاد من معاناة السكان.
مبادرات محلية
ظهرت العديد من المبادرات التي أطلقها المواطنون المحلي بمساعدة بعض المنظمات غير الحكومية، والتي تهدف إلى تحسين وصول المياه. من بين هذه المبادرات:
-
إنشاء خزانات مياه: تم بناء خزانات في عدة قرى لتمكين الأهالي من تخزين المياه خلال فترات هطول الأمطار لاستخدامها خلال الشهور الجافة.
-
حفر آبار جديدة: بدأت فرق عمل محلية بحفر آبار جديدة، سواء بتمويل محلي أو دعم من منظمات خارجية، لتحسين فرص الحصول على مياه نظيفة.
-
حملات التوعية: تم تنظيم حملات توعية حول أهمية الحفاظ على المياه وكيفية استخدامها بشكل مستدام، مما ساهم في تغيير سلوكيات المواطنون نحو استهلاك المياه.
-
مشاريع تنقية المياه: تم تنفيذ مشاريع صغيرة لتوفير نظم تنقية مياه بسيطة، مما ساعد في تحسين جودة المياه المتاحة للسكان.
التعاون المواطنوني
تجسد هذه المبادرات روح التعاون بين الأهالي، حيث يشارك الجميع في تنفيذ المشاريع، سواء من خلال العمل اليدوي أو المساهمات المالية. يعكس هذا التكاتف الرغبة القوية لدى السكان في تحسين مستوى معيشهم ومواجهة تحديات العيش اليومي.
مستقبل مشرق
على الرغم من الصعوبات المستمرة، إلا أن تفاؤل الأهالي موجود، حيث تتواصل الجهود من أجل توفير بيئة آمنة وصحية لمستقبل الأجيال القادمة. يبقى دور المواطنون المحلي ومنظمات الدعم محورياً في مواجهة هذه التحديات، ويعكس العمل الجماعي قوة الإرادة لدى الشعب اليمني في التغلب على الأزمات.
إن مبادرات توفير المياه في ريف تعز تعد نموذجًا يُحتذى به في كيفية مواجهة الأزمات من خلال التعاون والتضامن المواطنوني، مما يبعث الأمل في النفوس ويؤكد على أهمية العمل الجماعي في تحقيق التنمية المستدامة.
