إغلاق هرمز وتدمير منشآت قطر: صدمة الغاز الطبيعي تتجاوز أزمة 2022 وتعيد الاهتمام بالفحم – شاشوف


يشهد الاقتصاد العالمي أزمة غير مسبوقة في أسواق الطاقة، بسبب توترات جيوسياسية حادة عقب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. انخفضت إمدادات الغاز الطبيعي المسال بشكل كبير، خاصة بعد تضرر مجمع ‘رأس لفان’ القطري، مما أدى إلى حالة ‘قوة قاهرة’. الأسعار تجاوزت 25 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية لبريطانية في آسيا وارتفعت 40% في أوروبا، مما أثر سلبًا على الصناعة والاقتصادات النامية. البنية التحتية للطاقة بحاجة إلى وقت طويل للتعافي، مما يتطلب من الحكومات اتخاذ إجراءات صارمة للتقليل من استهلاك الغاز وتكيف المجتمعات مع نقص الطاقة.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

العالم حالياً يواجه زلزالاً لم يسبق له مثيل في أسواق الطاقة، حيث أدت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران إلى واقع جديد يهدد النشاط الاقتصادي العالمي.

لم تعُد هذه الأزمة مجرد توترات جيوسياسية عابرة، بل تحولت إلى صدمة هيكلية عميقة في معروض الغاز الطبيعي المسال، متجاوزةً تداعيات أزمة الطاقة الأوروبية التي بدأت في عام 2022. تواجه الأسواق نقصاً حاداً وغير متوقع، مما وضع الدول المستوردة في حالة طوارئ قصوى لتأمين احتياجاتها قبل فصل الشتاء.

في خضم هذه العاصفة، يوجد مجمع “رأس لفان” القطري، الذي يُعتبر أكبر منشأة لإنتاج الغاز الطبيعي المسال في العالم، والذي تعرض لأضرار جسيمة نتيجة الهجمات الأخيرة.

هذا المجمع الاستراتيجي، الذي كان يساهم وحده بنحو 20% من إجمالي تجارة الغاز المسال العالمية، توقف عن العمل، مما أدى إلى إعلان حالة “القوة القاهرة” وإبلاغ المشترين في آسيا وأوروبا بصعوبة الوفاء بالعقود طويلة الأجل حالياً. هذا النقص المفاجئ يمثل ضربة غير مسبوقة للأسواق منذ عقود.

على صعيد آخر، تسبب الإغلاق شبه التام لمضيق هرمز الحيوي إلى تفاقم الأوضاع، إلى جانب الضربة الطبيعية التي تلقتها الإمدادات من النصف الآخر من الكرة الأرضية؛ حيث أعلنت شركة “شيفرون” أن العواصف القوية ألحقت أضراراً فادحة بمحطة “ويتستون” في أستراليا (التي تمثل نحو 2.4% من الإمدادات العالمية)، مما سيؤثر على عودتها للعمل بكامل طاقتها لعدة أسابيع.

هذا الحصار المزدوج أدى إلى ارتفاع قياسي في أسعار الغاز الفورية، حيث وصلت الأسعار في آسيا إلى أكثر من 25 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية (بزيادة بلغت ثلاثة أضعاف مستويات ما قبل الأزمة)، فيما سجّلت الأسواق الأوروبية ارتفاعات تجاوزت 40%، مما ينذر بركود تضخمي وصناعات متعثرة.

تداعيات كارثية على أسعار الغاز وسلاسل التوريد

أدى التبخر المفاجئ لجزء كبير من الغاز العابر للخليج واختناق الممرات الملاحية إلى إشعال حرب أسعار شرسة بين كبار المستوردين لاقتناص ما تبقى من شحنات في السوق الفورية. هذا التدافع الشديد أدى إلى رفع تكلفة الغاز وقلب سلاسل توريد الطاقة بأكملها.

مع ندرة المعروض، عجزت البدائل الحالية—مثل الغاز من الولايات المتحدة أو المشاريع الأسترالية والإفريقية—عن سد هذه الفجوة الكبيرة، حيث أن البنية التحتية العالمية للغاز غير مصممة لتحمل فقدان 20% من الإمدادات في وقت واحد.

على أرض الواقع، بدأت الاقتصادات تدفع ثمناً باهظاً لهذا الاضطراب. تجد المصانع الكثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل مصانع الأسمدة والصلب والمنسوجات، نفسها مضطرة لخفض الإنتاج، مما يهدد بحدوث أزمة غذاء عالمية وزيادة معدلات البطالة. وفي الدول النامية، ينعكس المشهد بصورة أكثر خطورة، حيث أدت نقص غاز الطهي إلى فوضى ومشاجرات في دول مثل الهند، بينما يعاني المزارعون من نقص الديزل وارتفاع تكاليف الزراعة.

وفي هذا السياق المعقد، يؤكد أندريا ستيجر، رئيس “الاتحاد الدولي للغاز”، أن استعادة استقرار الأسعار وثقة الأسواق في تدفقات الإمداد ستستغرق وقتاً طويلاً. حيث أشار ستيجر في مقابلة صحفية على هامش المؤتمر السنوي لمنتجي الغاز في الجزائر، إلى أن الأسواق تتحرك حالياً في ظل حالة من عدم اليقين، ومرتبط أي انفراجة في الأسعار بسرعة احتواء النزاع، مضيفاً أن قطاع الغاز يواجه اختباراً تاريخياً في تنويع مصادر الإمداد لامتصاص جزء من هذه الصدمة العنيفة، وأن التداعيات حتماً ستنعكس على أحجام التوريد والأسعار النهائية للمستهلك.

البنية التحتية المنهارة ومستقبل أمن الطاقة

إن حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية للطاقة هو العائق الأكبر أمام أي تعافي سريع. المنشآت المتضررة تعتمد على تقنيات متقدمة ومعدات هندسية متخصصة لا يمكن استبدالها أو إصلاحها بسهولة.

إعادة بناء هذه الشرايين الحيوية في ظل بيئة جيوسياسية ملتهبة تعني أن العالم سيضطر للتعايش مع عجز هيكلي في إمدادات الغاز لفترة طويلة، وهو ما يُشكّل ضغطاً على ميزانيات الدول المستوردة التي قد تضطر لاستنزاف احتياطياتها النقدية.

هذه الأزمة تمثل انتكاسة مؤلمة لجهود التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة. فقد تم ترويج الغاز الطبيعي كوقود “موثوق وميسور التكلفة” لتسهيل الانتقال من الفحم إلى مصادر الطاقة المتجددة. لكن مع عدم تمكن محطات الكهرباء من تأمين الغاز، تجد العديد من الدول نفسها مضطرة للعودة إلى حرق الفحم الملوث لتجنب انقطاع التيار الكهربائي، مما يلقي بظلاله على جهود تقليل انبعاثات الكربون.

وهذا يتوافق مع تقييمات أندريا ستيجر، الذي أوضح أن التعافي الكامل للبنية التحتية المتضررة “قد يستغرق عدة سنوات”. كما أضاف أن الأضرار التي لحقت ببعض المنشآت تعتبر “كبيرة جداً”، وأن التقييم الدقيق للتأثير المالي والهندسي لا يزال يتطلب معلومات تفصيلية أكثر في الفترة المقبلة، مما يجعل احتمالات الحلول السريعة واستعادة العمليات بكامل طاقتها أمراً بعيد المنال على المدى القريب.

مع استمرار تعقيدات المشهد وغياب الحلول السريعة، يبقى الخيار الوحيد القابل للتطبيق أمام الحكومات هو فرض سياسات صارمة لتقليل استهلاك الغاز وتكييف المجتمعات مع حقبة جديدة من ندرة الطاقة. ستتضح فعالية استجابة المجتمع الدولي والقطاع الصناعي لهذه الأزمة الحيوية خلال الأشهر المقبلة، لكن الثابت الآن هو أن خريطة الطاقة العالمية قد تم إعادة رسمها بشكل كامل.


تم نسخ الرابط