إعادة فتح البحر الأحمر: الاضطرابات المتوقع أن تعيد تشكيل صناعة الشحن وأسعارها في 2026 – شاشوف

إعادة فتح البحر الأحمر الاضطرابات المتوقع أن تعيد تشكيل صناعة


شهدت سوق شحن الحاويات تحولًا كبيرًا خلال العامين الماضيين، حيث أدت العمليات العسكرية في البحر الأحمر إلى تحويل المسارات حول رأس الرجاء الصالح. رغم أن هذا التغيير زاد من تكاليف النقل، إلا أنه أدى أيضًا إلى ارتفاع أسعار الحاويات وهوامش الربحية. مع تزايد الحديث عن عودة محتملة إلى البحر الأحمر، ترى مجموعة ING أن الأمر سيكون حيويًا لمراقبته في العام المقبل. هذه العودة قد تخلق اضطرابات في الموانئ وتؤدي إلى ضغط سعر جديد بسبب الفائض المحتمل في السعة، وهو ما يهدد أرباح الشركات.
Sure! Here’s the rewritten content while preserving the original HTML tags:

أخبار الشحن | شاشوف

خلال العامين الماضيين، شهدت سوق شحن الحاويات تحولاً جذرياً لم نشهده منذ عقود. فقد أجبرت الأنشطة العسكرية لقوات صنعاء في البحر الأحمر خطوط الملاحة البحرية على تغيير مساراتها للالتفاف حول رأس الرجاء الصالح بدلاً من المرور عبر باب المندب وقناة السويس. ولم يكن هذا التحول مجرد تغيير في المسار، بل إعادة تقييم شاملة لمخاطر النقل البحري، ما أدى إلى إعادة توزيع الحجم وزيادة زمن الرحلات، مُظهراً وضعاً جديداً مكلفاً ولكن يمكن التنبؤ به.

اليوم، مع بداية الحديث في الأسواق عن احتمالية العودة التدريجية إلى مسار البحر الأحمر، ترى مجموعة آي إن جي (ING Group) الهولندية للخدمات المالية أن هذا التطور سيكون ‘الأمر الرئيسي الذي يجب مراقبته’ في شحن الحاويات خلال العام المقبل، ليس لأنه سيحدث فوراً، بل لأن السؤال لم يعد ‘هل’ ستعود الخطوط، بل ‘متى’ و’كيف’ وبأي وتيرة، وما الذي سيحدث للأسعار والطاقة الاستيعابية والجداول عندما تتحرك أول شركة كبرى وتفتح الباب أمام الآخرين.

تاريخياً، كانت قناة السويس ركيزة أساسية في التجارة بين الشرق والغرب، حيث استوعبت جزءاً كبيراً من حركة التجارة العالمية، خاصة حركة الحاويات المرتبطة بالبضائع الاستهلاكية التي تغذي الأسواق الأوروبية. لذا، فإن تغيير مسار هذا الشريان إلى مسار أطول حول إفريقيا لم يكن مجرد خيار تكتيكي، بل كان تحولاً هيكلياً زاد من المسافات البحرية وأيام التشغيل، وزاد من استهلاك الوقود والانبعاثات، مما فرض على سلاسل الإمداد إعادة تنظيم مخزونها ومواعيدها وفق واقع جديد.

الأثر الأهم لهذا الالتفاف، رغم كلفته، هو أنه منح شركات الشحن مكاسب غير متوقعة، فعقب انهيار الأسعار في فترة الوباء، جاءت الأزمة لتعزز من أسعار الحاويات وهوامش الربحية لفترة أطول مما كان متوقعاً. وهذا يجعل عودة البحر الأحمر، بشكل غريب، خبرًا جيداً لسلاسل الإمداد من حيث الكفاءة، ولكنه خبر مقلق للقطاع الذي يعتمد على ندرة السعة وارتفاع الأسعار لتحقيق أرباحه.

لحظة الحقيقة

تستند تقديرات مجموعة آي إن جي (ING Group) إلى فكرة بسيطة لكنها تحمل آثاراً كبيرة: قرار العودة إلى البحر الأحمر لن يكون خياراً منفردًا نظراً لأن قطاع الخطوط الكبرى يعمل بناءً على منطق المنافسة المتماثلة. فإذا قررت شركة كبرى أن المخاطر أصبحت مقبولة وأن المرور يستحق المجازفة، فإن شركات أخرى ستسرع في اللحاق بها لتجنب خسارة ميزة زمن الرحلة وتكاليف التشغيل أمام المنافس الذي يسلك المسار الأقصر.

تظهر هذه الديناميكية ‘القطيعية’ السبب وراء تحذير ING من أن العودة ستكون حدثاً كبيراً على غرار الصدمة التي حدثت عند التحول نحو رأس الرجاء الصالح. النظام الذي تكيف مع المسارات الأطول وتوزيع السفن المختلفة سيضطر فجأة إلى إعادة ضبط نفسه في الاتجاه المعاكس، ومع كل إعادة ضبط كبيرة، تظهر عادة اختناقات غير متوقعة في الموانئ ومحطات الحاويات وسلاسل إعادة تموضع الحاويات الفارغة.

في هذا السياق، بدأت بعض الخطوط الكبرى تتحدث بلغة أقل تشدداً حيال فكرة العودة بعد اتفاق وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر، إذ لم تعد شركات مثل ميرسك وهاباغ لويد تستبعد العودة بل ربطتها بشرط ‘السماح بالظروف’ بحسب متابعات مرصد شاشوف. هذا التحفظ ليس مجرد تعبير دبلوماسي، بل هو اعتراف بأن المخاطر الأمنية والتأمينية لا تزال جزءاً من المعادلة، وأن خطأً في التوقيت قد يعيد الشركات إلى اتباع مسارات طويلة.

من ناحية أخرى، تعتبر مجموعة CMA CGM الفرنسية للشحن والخدمات اللوجستية أكثر ميلاً لتجربة العودة، إذ استمرت ببعض الخدمات تحت حراسة بحرية، مشيرة إلى إمكانية استئناف العبور بسرعة أكبر. ولكن بيانات الحركة حتى نوفمبر 2025 تُظهر أن البحر الأحمر لم يستعد زخمه بعد، مما يعني أن أي عودة شاملة لم تبدأ فعلياً، وأن السوق لا تزال تعيش في حالة من الترقب.

3 آلاف ميل بحري تختصر 10 أيام وتحرر طاقة عالمية ضخمة

إحدى الأسباب التي تجعل العودة ‘زلزالاً’ في سوق الحاويات هي الفروق التشغيلية بين المسارين. إذ يوفر استئناف العبور عبر البحر الأحمر أكثر من 3000 ميل بحري على الخط الفاصل بين آسيا وشمال غرب أوروبا، ويختصر نحو عشرة أيام إبحار، وهو فرق ينعكس مباشرة على تكاليف الوقود، وعدد الأيام التي تظل فيها السفينة خارج الخدمة الفعلية، وعلى قدرة الخطوط على تدوير سفنها بوتيرة أعلى.

النتيجة الأعمق لهذا الاختصار لا تتعلق بسفينة واحدة، بل بالسعة العالمية ككل. فعلياً، المسار الطويل حول إفريقيا يستهلك جزءاً كبيراً من طاقة الأسطول العالمي، حيث تمضي السفن وقتاً أطول في البحر للوصول إلى نفس الوجهة، مما يقلل من عدد الدورات السنوية ويخلق ‘شحاً مصنعاً’ في السعة. عندما يتم استعادة المسار الأقصر، فإن هذه السعة ستتحرر تدريجياً، فيبدو كأن السوق تلقت فجأة سفنًا إضافية حتى دون استلام سفن جديدة.

هذا التحرر في السعة سيتقاطع مع مشكلة أخرى تلوح في الأفق: دخول سفن جديدة من قائمة طلبات ضخمة إلى الخدمة خلال عام 2026، حيث تشير ING وفق اطلاع شاشوف إلى أن دفتر الطلبات يمثل نسبة كبيرة من الأسطول العالمي وفق بيانات كلاركسونز للخدمات البحرية والأبحاث حتى نوفمبر 2025.

عندما يتم دمج تحرير السعة الناتج عن اختصار المسارات مع تدفق السفن الجديدة، فإن ميزان العرض والطلب يميل بقوة نحو فائض في المعروض، مما سيرفع من ضغط الأسعار لاحقاً.

لكن هذه الصورة ليست خطاً مستقيماً. فقد تبدأ العودة بتجارب متقطعة وعبور محدود، ثم تتسارع عند نقطة معينة، وقد تتأخر إذا ظلت أقساط التأمين مرتفعة أو إذا استمرت التقييمات الأمنية في التقلّب. لذلك تبقى المسألة حساسة للتوقيت، لأن التوقيت هو ما يحدد ما إذا كانت العودة ستؤدي إلى اضطراب سهل الإدارة، أو إلى فوضى تشغيلية تعم الموانئ وسلاسل الإمداد.

المرحلة الأولى من العودة: اضطراب الموانئ وإعادة توزيع الاختناقات

وفق قراءة شاشوف، تصف ING العودة بأنها خطوة منطقية على المدى البعيد، لكنها تمثل في الوقت نفسه أكبر تحدي كبير يتجاهله الكثيرون على المدى القريب. إذ إن اختصار زمن الإبحار يعني أن السفن قد تصل ‘مبكراً’ مقارنة بالجداول التي بُنيت على الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، مما يولد احتمالاً كبيراً لظهور ازدحام في الموانئ، ليس لأن الطلب قد ارتفع، بل لأن شبكة الوصول تغيرت فجأة بينما لم تتغير قدرة الأرصفة ومحطات الحاويات بالسرعة نفسها.

عندما تصل السفن قبل المتوقع، تتغير حركة الحاويات الفارغة وأماكن تموضعها، ويتأخر أو يتسارع وصولها إلى نقاط التصنيع في آسيا، مما يؤثر على إيقاعات الشحن والتفريغ وسلاسل النقل البري والسككي داخل أوروبا. هذا النوع من ‘الاضطراب الشبكي’ قد يؤدي إلى اختناقات متكررة، وقد تلجأ الشركات إلى إلغاء رحلات لتقليل ضغط العمل، لكن ذلك لن يمنع تذبذب الأسعار لفترة انتقالية.

تزداد حساسية هذه المرحلة إذا تزامنت العودة مع مواسم الذروة، وخاصةً فترة ما قبل رأس السنة القمرية الصينية، حيث عادةً ما تشهد الأحجام زيادة مبكرة لتأمين المخزون قبل الإجازات. في هذا التوقيت، يصبح أي تغيير في المسار مضاعف الأثر: الوصول المبكر يضغط على الموانئ، وتزايد الطلب يضغط على السعة، ما يؤدي إلى مزيج قد يدفع الأسعار للارتفاع مؤقتاً حتى في الوقت الذي تميل فيه الاتجاهات الهيكلية لاحقاً نحو الانخفاض.

في المقابل، إذا وقعت العودة في توقيت يسمح بتراجع الطلب الطبيعي الموسمي، فقد تمتص الشبكات جزءاً من الصدمة تدريجياً، ويتقلص خطر الازدحام الشديد. ولكن حتى في أفضل السيناريوهات، يبقى من شبه المؤكد أن الأشهر الأولى ستشهد اضطرابات تشغيلية لا مفر منها، قبل أن تستعيد الجداول استقرارها وتبدأ السوق في تسعير الوضع الجديد.

المرحلة الثانية: بعد استقرار الجداول يبدأ هبوط الأسعار الكبير

بعد أن تتكيّف الشبكات وتستقر الجداول، ترى ING أن السوق ستواجه على الأرجح ضغطاً نزولياً قوياً على الأسعار. السبب أن تحرير السعة الناتج عن العودة سيضيف طاقة متاحة، في وقت يُتوقع أن يظل نمو أحجام الحاويات محدوداً نسبياً. ومع استمرار دخول سفن جديدة في 2026، يصبح فائض المعروض واقعاً يصعب تفاديه.

في هذا السياق، حتى وفورات التشغيل التي تحققها الشركات عبر تقليل الوقود واختصار زمن الرحلة قد لا تكون كافية لتعويض انخفاض الأسعار. إذ إن القطاع لا يعتمد فقط على تكلفة الرحلة، بل على مدى قدرة الشركات على الحفاظ على ندرة السعة التي تمنحها قوة تسعيرية. عندما تتآكل هذه الندرة، تتراجع الأسعار بشكل قد يقضي على جزء كبير من الأرباح التي عززتها الأزمة.

قد تحاول الشركات امتصاص الفائض عبر أدوات معروفة مثل التشغيل البطيء الذي يقلل من استخدام السعة، أو تسريع التخلص من السفن القديمة بعد سنوات من التوقف الجزئي عن التخريد بسبب وفرة الأرباح. لكن ING ترى أن هذه الإجراءات تحتاج إلى وقت ولا تعوض الفائض بالكامل، مما يعني أن السوق قد تدخل دورة جديدة من الهبوط في الأسعار، خاصة إذا تزايدت السعة الجديدة بسرعة.

هنا يظهر البعد ‘المالي’ في قرار العودة. فالتوقيت الدقيق لاستئناف العبور لا يقتصر فقط على اعتبارات أمنية، بل يؤثر مباشرة على أرباح شركات الشحن. كلما تأخرت العودة مع استمرار الالتفاف، بقيت الأسعار مدعومة وواصلت الأرباح في التعافي، ولكن العودة الشاملة تعني أن القطاع سيبدأ في مواجهة واقع سوقي أكثر صعوبة بعد أن اعتاد على هوامش مرتفعة نسبياً.

الخوف من الارتداد المزدوج والتحالفات الجديدة والتأمين

رغم أن العودة قد تصبح ممكنة خلال الأشهر الستة المقبلة وفق تقديرات ING، إلا أن الشركات ليست في عجلة من أمرها. فوق كل ذلك، يظهر السبب البديهي بوضوح وهو ضرورة ضمان سلامة السفن والبحارة والبضائع، لكن هناك أيضاً أسباب تشغيلية وتجارية عميقة، حيث شهد القطاع عاما كاملاً من إعادة هيكلة التحالفات وتحديث أنظمة الملاحة واستقرار جداول جديدة قائمة على مسار رأس الرجاء الصالح.

الرّهان الأساسي لدى الشركات الكبرى هو تجنب ‘الاضطراب المزدوج’، أي الانتقال إلى البحر الأحمر ثم العودة بسرعة إلى المسار الطويل إذا تدهورت الظروف، لأن هذا الارتداد سيفقد ثقة العملاء ويعيد الفوضى إلى الشبكات التي بدأت تستقر. لهذا، تحتاج الشركات إلى قدر من اليقين بشأن مدة أي تغيير، وليس مجرد نافذة زمنية مؤقتة.

يظهر هذا الاعتبار كمكون مهم للتحالفات الجديدة مثل شبكة جيميني بين ميرسك وهاياگ لويد التي وعدت العملاء بموثوقية عالية مقارنة بالمتوسط. فإن التعهد بموثوقية مرتفعة لا يمكن قياسه فقط على أساس البيانات، بل يتطلب القدرة على تنفيذ جداول مستقرة دون مفاجآت، وأي عودة متسرعة إلى البحر الأحمر قد تهدد هذه الوعود قبل أن تثبت الشبكة الجديدة نفسها.

ثم يظهر عامل التأمين بوصفه البوابة العملية لأي عودة. فقد ارتفعت أقساط التأمين بشكل كبير خلال الأزمة، وحتى إذا بدأت في الانخفاض، فمن المرجح أن تتحول إلى شروط موافقة مسبقة أو ترتيبات دقيقة لكل رحلة. وفق قراءة شاشوف، قد تفضل الشركات اختبار العبور في رحلات العودة إلى آسيا بكميات أقل من البضائع وبحساسية أقل تجاه المواعيد، قبل الالتزام بخدمات رئيسية محمّلة بالبضائع الاستهلاكية الموجهة لأسواق حساسة في أوروبا.

ضجة البحر الأحمر ستبدأ في الموانئ وتنتهي في الأسعار

تضع قراءة ING سوق شحن الحاويات أمام تحدٍ مزدوج: عودة البحر الأحمر هي خبر إيجابي لسلاسل الإمداد العالمية من حيث الكفاءة الزمنية والبيئية وتقليل استهلاك الوقود والانبعاثات، لكنها في الوقت ذاته صدمة انتقالية ستبدأ على الأرجح باضطراب في الموانئ والجداول، قبل أن تتحول إلى ضغط سعري طويل قد يعيد تشكيل أرباح القطاع.

إذا حدثت العودة على نطاق واسع، ستكشف أنه كان هناك جزء كبير من قوة التسعير خلال الأزمة ناتج عن نقص سعة ‘مصطنع’ نشأ بسبب المسارات الأطول. ومع زوال هذا النقص، سيظهر فائض السعة بالكامل، خاصة مع استمرار دخول السفن الجديدة من دفتر الطلبات الكبير. في هذه الحالة، قد تتحول السوق من بيئة أرباح استثنائية إلى بيئة تنافسية قوية تتطلب أدوات إدارة زيادة العرض بشكل أكثر صرامة.

في نهاية المطاف، فإن السؤال ‘متى’ ستعود الشركات سيكون الأكثر حاسماً، فهو لا يحدد فقط من يربح ومن يخسر بين الشركات، بل يحدد أيضاً شكل عام 2026: هل سيكون عاماً لاستعادة الاستقرار التدريجي مع اضطراب ممكن التكيف، أم عاماً لارتباك متتابع يتبعه هبوط سعري كبير يضغط على القطاع بعد عامين من الانتعاش غير المتوقع.


تم نسخ الرابط

Exit mobile version