إعادة تشكيل سوق الغاز المسال العالمي بسبب الحرب في إيران: تحديات وفرص جديدة – بقلم شاشوف


تصاعدت التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، خاصة بعد اندلاع الحرب على إيران عام 2026، مما أثر بشكل عميق على سوق الغاز الطبيعي المسال (LNG). رغم التحديات، لا يرى الاتحاد الدولي للغاز أن هذه الأزمة ستؤثر على النمو طويل الأمد للقطاع. سجلت تجارة الغاز المسال العالمية نمواً كبيراً، حيث ارتفعت واردات أوروبا وبرزت الولايات المتحدة كمصدر رئيسي. كما أصبحت مصر نقطة محورية لتجارة الغاز في البحر الأبيض المتوسط، مما يعكس تحولات كبيرة في أمن الطاقة، حيث تعدد المستثمرون خيارات الإمدادات لمواجهة المخاطر الجيوسياسية.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

مع تزايد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، بدءاً من اندلاع الحرب على إيران في عام 2026، يواجه سوق الغاز الطبيعي المسال (LNG) تحولات رئيسية قد تعيد تشكيل ملامح التجارة العالمية.

وعلى الرغم من أن هذه الأزمة تُعتبر من أكثر الاضطرابات حدة في أسواق الطاقة على مر العقود، فإن الاتحاد الدولي للغاز يراها كفرصة جديدة لنمو الصناعة على المدى الطويل، حيث تحفز المستثمرين على إعادة النظر في مفهوم أمن الطاقة، وتسريع الاستثمارات في البنية التحتية وتنوع مصادر الإمدادات.

شهد عام 2026 أحداثاً استثنائية وغير مسبوقة، حيث أصبحت منشآت الطاقة وسفن نقل الغاز أهدافاً مباشرة للعمليات العسكرية الإيرانية أثناء حربها مع الولايات المتحدة.

تسببت هذه الهجمات، خصوصاً تلك التي استهدفت مضيق هرمز، في اختلالات واسعة في تجارة الغاز الطبيعي المسال، مما أثر بشكل كبير على سلاسل الإمداد العالمية. ومع ذلك، يؤكد خالد أبو بكر، نائب رئيس الاتحاد الدولي للغاز، أن الأزمة لن تؤثر على الاتجاه الأساسي للسوق، الذي لا يزال ينمو على المدى البعيد، نظراً للدور الحيوي للغاز الطبيعي كعمود رئيسي لتلبية الطلب العالمي على الطاقة.

تأتي هذه التطورات بعد نمو ملحوظ في تجارة الغاز المسال العالمية، حيث زادت بنسبة 6.3% لتصل إلى 437 مليون طن في عام 2025 وفقاً لمصدر شاشوف، مسجلة أسرع معدل نمو منذ عام 2022. قادت أوروبا هذا النمو بزيادة في وارداتها تبلغ نحو 26.1 مليون طن لتصل إلى 126.2 مليون طن، في سعيها لتجديد مخزوناتها وتعويض النقص في تدفقات الغاز الروسي.

رغم انخفاض الواردات إلى آسيا والمحيط الهادئ بمقدار 9.2 مليون طن، إلا أنها استمرت في كونها أكبر منطقة مستوردة للغاز الطبيعي المسال، بإجمالي 168.7 مليون طن. هذه الأرقام تعكس مرونة السوق وقدرته على التكيف، حتى في ظل الظروف السياسية المعقدة.

الولايات المتحدة تعزز هيمنتها ومصر تبرز كمركز إقليمي

في خضم هذه التحولات، عززت الولايات المتحدة الأمريكية مركزها كأكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، مدفوعة باستثمارات ضخمة بدأت قبل سنوات في ثورة إنتاج الغاز الصخري وتحويل محطات الاستيراد إلى مرافق للتصدير. حيث صدرت الولايات المتحدة حوالي 110.7 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال في عام 2025، وتجاوزت 120 مليون طن في عام 2026، متفوقة على قطر (81.5 مليون طن) وأستراليا (80.3 مليون طن).

توفير هذه الكمية يمنح واشنطن دوراً محورياً في تأمين احتياجات حلفائها في أوروبا وآسيا، بالإضافة إلى تحقيق مكاسب اقتصادية ضخمة من زيادة صادراتها، مما يؤكد أن مكانتها كلاعب رئيسي في السوق العالمية كانت راسخة حتى قبل اندلاع الحرب الأخيرة.

على الصعيد الإقليمي، برزت مصر كواحدة من أسرع الدول نمواً في واردات الغاز الطبيعي المسال، حيث ارتفعت وارداتها إلى حوالي 9.6 مليون طن خلال عام 2025، مع استمرار الزيادة في عام 2026 لسد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.

استقبلت مصر عددًا كبيرًا من وحدات إعادة تغويز الغاز العائمة، مما عزز قدرتها على استقبال الشحنات وإدارة الإمدادات. وتمتلك البلاد جميع المقومات التي تجعلها مركزًا إقليميًا لتجارة الغاز في شرق البحر المتوسط، بما في ذلك محطات الإسالة، والبنية التحتية لنقل الغاز، وسوق محلية كبيرة، وموقع جغرافي استراتيجي يربط بين الدول المنتجة والمستهلكة.

تظهر الاتفاقيات الموقعة بين مصر وقبرص نموذجًا عمليًا لهذا الدور المركزي، حيث سيتم نقل إمدادات الغاز القبرصي إلى مصر لمعالجتها وإسالتها، ثم إعادة تصديرها إلى الأسواق العالمية أو استخدامها داخل السوق المحلية.

هذه الشراكات الاستراتيجية لا تضمن أمن الطاقة لمصر فحسب، بل تعزيز أيضًا دورها كبوابة رئيسية لإمدادات الغاز إلى أوروبا، مما يضيف بعدًا جديدًا لأهميتها في المشهد العالمي للطاقة.

أمن الطاقة يتغير: تنويع المصادر والطرق لمواجهة التحديات

غيرت الحرب الإيرانية الأخيرة بشكل جذري نظرة المستثمرين إلى قطاع الطاقة، حيث أصبح أمن الإمدادات عاملاً محوريًا في اتخاذ قرارات الاستثمار بجانب الجدوى الاقتصادية. ويعطي المستثمرون الآن أولوية أكبر لتنويع مصادر الغاز، وطرق النقل، والاستثمار في محطات الإسالة والاستقبال والتخزين وخطوط الأنابيب، بهدف تقليل تأثير الاضطرابات الجيوسياسية على حركة التجارة العالمية.

هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الاعتماد على مصدر واحد أو ممر مائي منفرد يحمل مخاطر لا يمكن تحملها في بيئة عالمية متقلبة.

على الرغم من التحديات، أثبتت صناعة الغاز الطبيعي المسال قدرتها على التكيف بسرعة، حيث ارتفعت حصة السوق الفورية حسب اطلاع شاشوف من حوالي 22% إلى ما يقرب من 40% خلال فترة اضطراب الصادرات القطرية نتيجة لإغلاق مضيق هرمز.

نجحت الإمدادات القادمة من مناطق أخرى في تعويض جزء كبير من النقص، مما يعكس مرونة القطاع وسرعة استجابته للأزمات. ومع استمرار آسيا، خاصة دول جنوب شرق القارة، في كونها محركًا رئيسيًا لنمو الطلب العالمي على الغاز الطبيعي المسال، بلغت الاستثمارات في مشروعات الغاز المسال أعلى مستوياتها منذ ست سنوات خلال عام 2025، مع خطط لزيادة القدرات الإنتاجية بأكثر من ضعفي المستويات الحالية.

ختامًا، يرى الاتحاد الدولي للغاز أن أكبر تهديد يواجه صناعة الغاز اليوم ليس فائض المعروض أو السياسات المناخية، بل التوترات الجيوسياسية والحروب الإقليمية، لأنها تعيق حركة التجارة العالمية وتجعل الصناعة رهينة لأحداث خارج إرادتها.

ومع ذلك، فإن الغاز الطبيعي لم يعد مجرد وقود انتقالي، بل أصبح أحد الأسس الرئيسية للنمو الاقتصادي العالمي. ويؤكد الاتحاد على أن استمرار تطوير هذه الصناعة، وتقليل تكاليفها، وكبح انبعاثاتها، سيضمن لها دورًا محوريًا في منظومة الطاقة العالمية لعقود قادمة، مما يعكس أهمية الاستثمار في المرونة والتنوع لمواجهة التحديات المستقبلية.