أوروبا تواجه حرارة غير مسبوقة.. آلاف الوفيات وخسائر بمليارات في الاقتصاد – شاشوف


تعيش أوروبا موجة حر شديدة تعد من الأعنف في تاريخها الحديث، مع تسجيل درجات حرارة قياسية أدت إلى ارتفاع الوفيات وتعطل خدمات النقل والطاقة، مما أثر سلباً على الاقتصاد. تواجه دول مثل ألمانيا وبولندا أشد التأثيرات، حيث سجلت درجات حرارة قياسية ووفاة آلاف الأشخاص. كما تضررت البنية التحتية، مما دفع شركات النقل لتقليص الخدمات. تشير التقديرات إلى أن الخسائر الاقتصادية في ألمانيا قد تصل إلى 131 مليار دولار بحلول 2030. تُنبه هذه الموجة إلى قضايا التغير المناخي وتأثيرها المتزايد على حياة الأوروبيين واقتصادهم.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

تتعرض أوروبا حالياً لأحد أقوى موجات الحر في تاريخها الحديث، حيث اجتاحت درجات حرارة قياسية العديد من دول القارة، مما أدى إلى زيادة حوادث الوفاة، وخلل في خدمات النقل والطاقة، وتكاليف اقتصادية تقدر بمليارات الدولارات. وتشير التحذيرات العلمية إلى أن ما يحدث ليس مجرد حدث عابر، بل يعكس التغير المناخي الذي يُعيد تشكيل الواقع البيئي والاقتصادي في أوروبا.

ومع انتقال الكتلة الهوائية الحارة شرقاً، تواجه دول مثل ألمانيا وبولندا والتشيك والمجر أشد درجات الحرارة، بينما بدأت فرنسا بتسجيل ضحايا الأيام الأخيرة مع انحسار الحرارة تدريجياً في بعض المناطق.

سجلت دول أوروبية عدة درجات حرارة قياسية، حيث بلغت 41.5 درجة مئوية في ألمانيا، و40.8 إلى 40.6 درجة في التشيك، و37 درجة في الدنمارك، وهو أعلى مستوى يُسجل منذ بداية القياسات عام 1874.

العاصمة الألمانية برلين شهدت حرارة قاربت 39 درجة، مما دفع الشرطة لاستخدام خراطيم المياه في الشوارع لتخفيف آثار الحرارة على السكان، كما شهدت براتيسلافا، عاصمة سلوفاكيا، أكثر ليلة حرارة في تاريخها.

وفقاً لتقديرات زودت بها ‘شاشوف’ وكالة فرانس برس، يُتوقع أن يتعرض ما لا يقل عن 191 مليون شخص في أوروبا لدرجات حرارة تتجاوز 35 درجة مئوية خلال هذه الموجة.

فرنسا تبدأ إحصاء ضحايا القيظ

بدأت الجهات الحكومية في فرنسا بتوثيق آثار الموجة الحارة على البشر، حيث أعلنت وكالة الصحة العامة عن تسجيل حوالي 1000 وفاة إضافية فوق المعدلات التقليدية منذ 24 يونيو، مع توقعات بزيادة العدد بعد تجميع البيانات من المنازل ودور الرعاية.

أفادت الوكالة أن حوالي 85% من الضحايا هم فوق سن 65 عاماً، فيما ارتفعت حالات الوفاة المنزلية بما يقارب 40%، لا سيما في منطقة ‘إيل دو فرانس’ التي تشمل باريس وضواحيها.

رئيس قسم الطوارئ في مستشفى جورج بومبيدو في باريس، فيليب جوفان، حذّر من أن الحصيلة النهائية قد تكون ‘مرعبة جداً’، مع توقعات بالتوصل لمزيد من الضحايا مع عودة فرق الرعاية المنزلية للعمل.

بينما استبعدت وزيرة الصحة الفرنسية ستيفاني ريست أن تصل حصيلة الوفيات إلى مستوى الكارثة التي وقعت في عام 2003، والتي أودت بحياة حوالي 15 ألف شخص، إلا أن المؤشرات الحالية تثير قلقاً كبيراً لدى سلطات الصحة.

في سياقٍ موازٍ، أفادت وزارة الداخلية الفرنسية بتسجيل 74 حالة وفاة غرقاً منذ 18 يونيو، مع اندفاع المواطنين نحو الأنهار والبحيرات والشواطئ هرباً من الحرارة العالية.

اضطرابات واسعة في البنية التحتية

امتدت تبعات موجة الحر إلى مجالات النقل والطاقة، حيث أدت درجات الحرارة التي تجاوزت 40 درجة مئوية إلى انكماش قضبان السكك الحديدية وشقوق في بعض الطرق، مما اضطر شركات النقل لتقليص الخدمات.

سمحت شركة السكك الحديدية الألمانية للمسافرين بإلغاء رحلاتهم الطويلة بدون رسوم، بينما علقت شركة ‘ناشونال إكسبريس’ تشغيل عدد من القطارات في ولاية شمال الراين-وستفاليا كإجراء احترازي.

كما فرضت السلطات الفرنسية قيوداً على بعض الأنشطة الخارجية، وأغلقت مدارس، وحظرت بيع المشروبات الكحولية في بعض المناطق، بينما أصدرت إيطاليا أعلى درجات التحذير من الموجة الحارة في 18 مدينة، بما في ذلك روما وميلانو والبندقية وفلورنسا.

في إيطاليا أيضاً، عانى نهر ‘بو’ من انخفاض كبير في منسوبه، مع تقدم مياه البحر نحو اليابسة، مما أثار مخاوف بشأن تأثيرات خطيرة على الزراعة والأنظمة البيئية.

فاتورة اقتصادية بمليارات الدولارات

تمتد تداعيات موجة الحر إلى الاقتصاد الأوروبي، خصوصاً في ألمانيا، التي تواجه خسائر متزايدة نتيجة تراجع الإنتاجية وارتفاع استهلاك الطاقة.

تشير دراسة أعدتها مجموعة ‘أليانس’ الألمانية إلى أن درجات الحرارة التي تتجاوز 30 درجة مئوية تؤدي إلى انخفاض إنتاجية العمل بحوالي 3% مع كل درجة إضافية، في حين ترتفع تكاليف الطاقة بنحو 1.2% لكل درجة بسبب الاعتماد المتزايد على أنظمة التبريد.

كما ترتفع معدلات الإجازات المرضية بنسبة 3.5% في الأيام ذات الحرارة التي تتجاوز 30 درجة، وقد تصل الزيادة إلى 6% خلال الموجات الحارة الطويلة، خصوصاً بين العاملين في قطاعات البناء والزراعة والخدمات الميدانية.

تقدر الدراسة أن الخسائر الاقتصادية التراكمية في ألمانيا وحدها قد تصل إلى نحو 131 مليار دولار بين 2026 و2030، مع احتمال انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بما يصل إلى 3% بسبب تراجع الإنتاج والاستثمار وزيادة تكاليف التشغيل.

وفق دراسة اطلع عليها ‘شاشوف’ من جامعة ‘مانهايم’ والبنك المركزي الأوروبي، فإن صدمات صيف 2025 كلفت الاقتصاد الأوروبي 43 مليار يورو كخسائر مباشرة، مع توقعات بارتفاع التكلفة إلى 126 مليار يورو بحلول 2029. تُحذر النماذج الاقتصادية أيضاً من تراجع الناتج المحلي الإجمالي لدول جنوب القارة (مثل إسبانيا وإيطاليا) بنسبة تتراوح بين 5% و7% بحلول منتصف القرن، نتيجة انخفاض إنتاجية العمل في قطاعات مثل الزراعة والبناء وتراجع السياحة.

يُوضح الباحثون أن ظاهرة جوية تُعرف باسم ‘أوميغا بلوك’ ساهمت في حصار كتلة هوائية حارة فوق القارة لفترة طويلة، فيما ساعدت المياه الباردة بشكل غير عادي جنوب آيسلندا وغرينلاند على تغيير مسار التيار النفاث، مما أدى إلى تشكل مرتفع جوي ضخم يعرف بـ’قبة الحرارة’.

تشير بيانات هيئة الأرصاد الألمانية إلى أن عدد الأيام التي تتجاوز فيها الحرارة 30 درجة مئوية قد ارتفع من متوسط 4.2 أيام سنوياً بين 1961 و1990، إلى نحو 9 أيام بين 1991 و2020، وحالياً يصل إلى ما بين 18 و20 يوماً في بعض المناطق، في حين تعد موجة يونيو الحالية الأطول منذ بدء تسجيل البيانات المناخية.

مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة، وتزايد حوادث الوفاة، واتساع الخسائر الاقتصادية، تُعتبر موجة الحر الحالية واحدة من أبرز الإشارات على أن التغير المناخي أصبح واقعاً يفرض نفسه على أوروبا صحياً واقتصادياً وبيئياً، ويضع الحكومات أمام تحديات غير مسبوقة في حماية السكان والبنية التحتية والاقتصاد.