تواجه الأمم المتحدة أزمة مالية حادة، إذ وصلت المستحقات غير المدفوعة من الدول الأعضاء إلى 1.6 مليار دولار بحلول نهاية 2025، مما يهدد قدرتها على أداء مهامها. 145 دولة فقط من أصل 193 سددت التزاماتها, مع تأخر كبار الممولين مثل الولايات المتحدة وروسيا. الميزانية المُقترحة لعام 2026 تتضمن تخفيضًا بنسبة 15.1%، يتضمن إلغاء 2681 وظيفة. هذه التخفيضات قد تضعف قدرة المنظمة، خاصةً في مكافحة الأزمات. هناك مخاوف من تراجع الالتزام بالعمل الدولي، مما يعني أن الأمم المتحدة بحاجة إلى إعادة صياغة شاملة لنموذج التمويل الخاص بها لضمان استدامتها في مواجهة الضغوط الاقتصادية والسياسية المتزايدة.
تقارير | شاشوف
تواجه الأمم المتحدة واحدة من أصعب التحديات المالية منذ تأسيسها في عام 1945، حيث أشار الأمين العام أنطونيو غوتيريش إلى أن المديونية المستحقة على الدول الأعضاء قد تجاوزت 1.6 مليار دولار بنهاية 2025، مما يعرض المنظمة لأزمة سيولة حادة تهدد قدرتها على تنفيذ مهامها الأساسية. ورغم التحذيرات المستمرة، تتفاقم فجوة التمويل، بينما تتقلص قدرة الأمم المتحدة على الوفاء بالتزاماتها التشغيلية في ظل الأزمات العالمية المتعاقبة.
يأتي هذا السياق الاستثنائي مع خفض جذري في ميزانية المنظمة، كجزء من إصلاح شامل يهدف إلى تجديد الهياكل وتقليل النفقات. ويشير تحليل شاشوف إلى أن التحدي الحقيقي يكمن في التوقيت، حيث يتزامن مع تصاعد النزاعات الدولية والضغوط الإنسانية في العديد من الدول، فضلاً عن تزايد الاحتياجات التمويلية للبرامج الإنمائية والإنسانية والسياسية.
تشير البيانات الرسمية التي تفحصها شاشوف إلى أن 145 دولة فقط من بين 193 دولة سددت التزاماتها لميزانية عام 2025، وهو ما يعكس تراجعًا غير مسبوق في الالتزام المالي. والأكثر خطورة هو عدم تحويل دول رئيسية مثل الولايات المتحدة وروسيا لحصصها، مما يزيد من الضغوط على السيولة ويجبر الأمانة العامة على تقليص عملياتها التشغيلية.
تؤكد قراءة شاشوف أن الأزمة الحالية ليست مجرد متأخرات مالية، بل تتعلق بخلل هيكلي يهدد قدرة المنظمة على العمل، ويطرح تساؤلات جدية حول مستقبل التمويل الجماعي في نظام دولي يتخبط في توترات سياسية وانقسامات عميقة بين القوى الكبرى.
سيناريوهات لتعطيل الخدمات الأساسية
بلغت المستحقات المتأخرة عن عامي 2024 و2025 حوالي 1.586 مليار دولار، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ المنظمة، ويظهر اتساع الفجوة بين الالتزامات المالية والقدرة على الدفع. ويفيد غوتيريش بأن المنظمة تعمل الآن ‘بأقل بكثير مما يتاح في الميزانية المعتمدة’، مما يعني أن الموارد الحالية لا تكفي لتلبية الحد الأدنى من احتياجات التشغيل.
يمثل هذا التباطؤ في السداد –وفق تحليل شاشوف– تحولًا في أولويات عدد من الدول في ظل ظروف اقتصادية ضاغطة، وزيادة مستويات الدين العام، ونقص اهتمام بعض الحكومات بآليات العمل الدولي المتعدد. ويُعتبر موقف الولايات المتحدة وروسيا كأكبر ممولين متأخرين، عاملاً مكبرًا للأزمة.
علاوة على ذلك، فإن انخفاض نسبة الدول التي تلتزم بالدفع في الوقت المحدد يخلق حلقة مفرغة: فكلما تأخرت الدول الكبرى، تباطأت بقية الدول، مما يضع المنظمة أمام نقص حاد في السيولة بنهاية كل عام مالي، ويهدد بتعطيل أو تقليص البرامج الحيوية مثل البعثات السياسية والمكاتب الإنسانية.
تشير وثائق اللجنة الخامسة التي اطلع عليها مرصد شاشوف، إلى أن العجز النقدي أصبح ‘هيكليًا’، بمعنى أنه لن يُحل بمجرد سداد دفعة متأخرة، بل يتطلب إعادة صياغة شاملة لآلية تمويل الأمم المتحدة، وإلا سيستمر الوضع الحالي بالتفاقم سنويًا.
تقشف غير مسبوق وإلغاء آلاف الوظائف
كشفت الأمانة العامة عن تقديرات جديدة لميزانية عام 2026 تتضمن خفضًا حادًا يبلغ 577 مليون دولار، أي ما يعادل 15.1% مقارنة بميزانية 2025. وهذا التخفيض لا يُعتبر تعديلاً تقنيًا، بل هو إعادة تشكيل شامل لأسلوب عمل المنظمة، يتضمن إلغاء 2681 وظيفة، تمثل 18.8% من إجمالي موظفي الميزانية العادية.
تركز هذه التخفيضات بشكل أساسي على وظائف الدعم والإدارة ومراكز العمل الخلفية، بدلاً من البرامج التنفيذية المباشرة، مما يعكس محاولة للحفاظ على الأنشطة الميدانية الأكثر إلحاحًا. لكن عدة وفود حذرت من أن هذا الخفض قد يؤثر على القدرة التشغيلية، نظرًا لاعتماد البرامج على هياكل إدارية أصبحت الآن مهددة بالانكماش.
علاوة على ذلك، ستخضع البعثات السياسية الخاصة لخفض يتجاوز 21%، وهو رقم كبير بالنظر إلى انتشار هذه البعثات في مناطق نزاع استراتيجية مثل اليمن وليبيا والسودان والشرق الأوسط. مما يعني عمليًا تقليص عدد الموظفين الميدانيين، أو دمج مكاتب، أو تقليص برامج الرصد والتحقيق.
يعكس هذا الخفض أزمة ثقة متبادلة: الدول الأعضاء تضغط لتقليص الإنفاق، والأمانة العامة تحاول الحفاظ على ما يمكن حمايته، بينما يزداد خطر أن تؤدي هذه التخفيضات إلى إضعاف قدرة المنظمة على الاستجابة للأزمات الدولية المتزايدة.
نقل الوظائف وتقليص المكاتب… هندسة جديدة لعمل المنظمة
تدرس الأمم المتحدة إعادة توزيع شاملة للوظائف حول العالم، بما في ذلك نقل آلاف الوظائف إلى مراكز منخفضة التكلفة. ويشمل ذلك دمج إدارة الرواتب في فريق واحد موزع على ثلاثة مراكز عالمية، وإنشاء مراكز إدارية مشتركة في نيويورك وبانكوك وغيرها.
وقد حققت عمليات النقل السابقة وفورات بلغت 126 مليون دولار منذ عام 2017 وفقًا لمراجعات شاشوف، مع توقع تخفيض إضافي يصل إلى 24.5 مليون دولار سنويًا بحلول 2028. لكن الوفود المشاركة في اللجنة الخامسة أبدت مخاوف من أن الكلفة البشرية لهذه الخطوة ستكون مرتفعة، خاصة على موظفي الخدمات العامة والموظفين الصغار.
تشير وثائق رسمية إلى أن الخطة تتضمن تكاليف انتقال لمرة واحدة تبلغ 5.4 مليون دولار، تشمل إنهاء عقود وإعادة توزيع موظفين. ويخشى بعض الخبراء من أن تؤثر هذه الخطوة على التوازن الجغرافي في توزيع الوظائف، ونسبة تمثيل الدول النامية داخل المنظمة.
وفقًا لقراءة شاشوف، فإن الهيكلة الحالية أقل ارتباطًا بالكفاءة، وأكثر استجابة لأزمة مالية ملحة. ومع ذلك، فإنها تمثل تحولًا طويل الأمد في كيفية إدارة المنظمة لعملياتها، بما في ذلك زيادة رقمنة العمليات، وتقليص عدد المكاتب المتخصصة، وتوجيه الموارد نحو الوظائف الميدانية الأساسية.
دعم سياسي مقابل تحفظات واسعة
عبّرت معظم الوفود في اللجنة الخامسة عن دعمها لمشروع الميزانية المعدلة، مع الاعتراف بأن الأمم المتحدة تواجه تحديًا ماليًا غير مسبوق. لكن بعض الوفود أعربت عن قلقها من جدول المفاوضات الضيق، وتأخر وصول الوثائق الأساسية، مما قد يؤثر على قدرة الدول على التدقيق وإجراء مراجعات تفصيلية.
كما حذر دبلوماسيون من أن التخفيضات المقترحة تركز بشكل غير متناسب على فئات الموظفين الأدنى، مما يهدد بتقليل التوازن الجغرافي وتحديث القوى العاملة، ما يجعل المنظمة أقل تنوعًا من الناحية المؤسسية. هذا التحذير يعكس مخاوف أوسع من أن تؤدي إجراءات التقشف إلى إضعاف الطبيعة التمثيلية للمنظمة.
في الوقت نفسه، شدد عدد من الوفود على أهمية الحفاظ على برامج التنمية، لا سيما تلك الموجهة إلى القارة الأفريقية، مع مؤشرات توحي بأن تلك البرامج شهدت أقل نسبة من التخفيضات مقارنةً بالبرامج الإدارية والدعم التشغيلي.
يعكس موقف الدول الأعضاء وفقًا لقراءة شاشوف، معضلة واضحة: الجميع يقر بضرورة إصلاحات، لكن لا أحد يريد تحمل الكلفة السياسية أو الوظيفية لهذه الإصلاحات، مما يجعل مسار التفاوض صعبًا ومفتوحًا على تعديلات إضافية.
تكشف أزمة المتأخرات غير المسددة، والتخفيضات المقترحة في الميزانية، عن مستقبل مشؤوم لآلية التمويل الجماعي التي تعتمد عليها الأمم المتحدة. فالعجز المالي لم يعد مجرد مشكلة عابرة، بل هو مؤشر على تغيير في سلوك الدول الأعضاء، وتراجع في الالتزام بالعمل المتعدد الأطراف، ونمو منطقي للنزعة الوطنية على حساب المؤسسات الدولية.
من منظور اقتصادي-سياسي، يرى مرصد شاشوف أن استمرار هذا الاتجاه سيضع المنظمة أمام خيارين كلاهما صعب: إما تقليص مهامها تدريجياً، أو البحث عن نموذج تمويل بديل يعيد توزيع الأعباء ويضمن استدامة العمليات الأساسية. فأي خيار آخر يعني تخفيض قدرة الأمم المتحدة على التدخل في النزاعات، والوساطة، وتقديم الدعم الإنساني.
ومع انتظار مصادقة الجمعية العامة على الميزانية النهائية، يبدو أن المنظمة تتجه نحو عام مالي سيكون اختبارًا حقيقياً لقدرتها على البقاء فاعلة في عالم يزداد اضطرابًا… وعاجزًا عن الاتفاق على طريقة تمويل المؤسسة الدولية الأهم في عصرنا الحديث.
تم نسخ الرابط
