يواجه مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) أزمات مالية خانقة أدت إلى تقليص كبير في الوظائف، حيث من المتوقع أن تُخفض نحو 70 وظيفة من أصل 500. تزامنت هذه الإجراءات مع عودة السياسات الحمائية، خاصةً في ظل الرسوم الجمركية الجديدة التي فرضها الرئيس ترامب على الصين وأوروبا. وقد أدى تراجع التمويل، خصوصًا من الولايات المتحدة، إلى تقليص الخدمات المقدمة للدول النامية التي تعاني من ضغوط اقتصادية شديدة. الأونكتاد تلعب دورًا حيويًا في تقديم المشورة الاقتصادية، لكن التحديات المالية قد تعيق قدرتها على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
يواجه مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، الذراع الفنية للأمم المتحدة التي تهدف لمساعدة الدول النامية في الاندماج ضمن الاقتصاد العالمي، واحدة من أصعب فتراتها منذ تأسيسها في عام 1964.
في ظل أزمة مالية خانقة تعيق قدرة المنظمات الأممية، وجدت الأونكتاد نفسها مضطرة لتقليص عشرات الوظائف والتحضير لأكبر تخفيضات منذ عقود، بينما تتزايد الضغوط الاقتصادية على الدول النامية نتيجة للرسوم الجمركية الجديدة التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال ولايته الثانية، مما أعاد تشكيل معالم التجارة العالمية.
تقشف مؤلم وسط طلب متزايد
<pذكرت “ريبيكا جرينسبان”، الأمينة العامة للأونكتاد، في حديث مع وكالة “رويترز”، أن وكالتها بصدد اقتراح تخفيض نحو 70 وظيفة من إجمالي حوالي 500 موظف، بما يشمل مستشارين وموظفين دائمين، في إطار موازنة عام 2026. ووصفَت الخطوة بأنها “مؤلمة ولا يمكن تزيينها”، مشيرة إلى أنها تمثل أكبر خفض للموظفين على مستوى ميزانية واحدة في تاريخ الوكالة.
أبدت جرينسبان، التي تقود أيضاً جهود تنسيق الإصلاحات المتعلقة بالكفاءة وخفض التكاليف في الأمم المتحدة، قلقها من أن هذه التخفيضات قد تحدّ من قدرة الأونكتاد على الاستجابة السريعة للدول التي تسعى لفهم تداعيات السياسات الجمركية المتقلبة، خاصة في ظل تنامي النزعة الحمائية، وزيادة الطلب على دراسات تحليلية اقتصادية دقيقة.
الولايات المتحدة تقلّص التمويل… والأمم المتحدة تعيد هيكلة حضورها
جاء قرار خفض الميزانيات ضمن مراجعة شاملة تقودها الأمانة العامة للأمم المتحدة، التي تستعد بدورها لتقليص موازنتها العامة البالغة 3.7 مليار دولار بنسبة تصل إلى 20%. وقد طُلب من أكثر من 75 وكالة وهيئة أممية تقديم اقتراحات لخفض نفقاتها بحلول منتصف يونيو الجاري.
السبب الرئيسي وراء هذا الانكماش هو تراجع التمويل من المانحين الدوليين، وخاصة الولايات المتحدة، التي كانت توفر حتى وقت قريب حوالي ربع تمويل المنظومة الأممية. ووفقاً لتقرير نشرته مجلة “Foreign Policy” في مايو 2025، فإن الولايات المتحدة قلّصت مساهمتها السنوية لصالح منظمات الأمم المتحدة بنسبة تجاوزت 30% منذ عودتها للرئيس ترامب في يناير من ذلك العام.
بدأت الأمم المتحدة بالفعل في تنفيذ خطوات تقشفية، ومن أبرزها النظر في مغادرة قصر ويلسون في جنيف، الذي كان مقراً تاريخياً لمكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان، مما يعكس عمق الأزمة الهيكلية التي تعاني منها المنظمة الأممية.
ترامب يعيد إطلاق الحرب التجارية… والأسواق تتقلب
تزامن خفض تمويل الأونكتاد مع تطورات اقتصادية عالمية معقدة، أبرزها عودة السياسات الحمائية منذ بداية الولاية الرئاسية الثانية لدونالد ترامب. حيث شنّ البيت الأبيض جولة جديدة من الحرب التجارية ضد الصين، وقام بفرض سلسلة من الرسوم الجمركية العقابية على مجموعة من الاقتصادات الكبرى بما في ذلك الاتحاد الأوروبي، المكسيك، وكندا.
في فبراير 2025، أعلنت الإدارة الأمريكية فرض رسوم جمركية بنسبة 60% على جميع الواردات الصينية بدعوى “حماية الصناعات الوطنية من المنافسة غير العادلة”.
كما شملت الدفعات فرض تعريفات إضافية بنسبة 25% على السيارات المستوردة من أوروبا وزيادة الرسوم على الصلب والألومنيوم إلى 50% على منتجات دول معينة في آسيا وأمريكا اللاتينية.
ردّت الصين بإجراءات انتقامية استهدفت منتجات زراعية وصناعية أمريكية بقيمة تتجاوز 120 مليار دولار سنوياً، وحذّرت منظمة التجارة العالمية من أن العالم “يتجه نحو نظام تجاري مجزّأ يفتقر إلى القواعد المشتركة”، وفق تقريرها السنوي الصادر في مارس 2025.
وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي في أحدث مراجعة اقتصادية، فإن السياسات التجارية الجديدة قد تمحو ما يصل إلى 1.3% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول نهاية 2026، خاصة إذا استمر تقييد تدفقات التجارة بين القوى الكبرى.
ضغط متزايد على الدول النامية وطلب مرتفع على دعم الأونكتاد
في خضم هذه التحولات، تتعرض الدول النامية لضغوط متزايدة لفهم كيفية التعامل مع السياسات الجمركية الجديدة، وإعادة تقييم اتفاقياتها التجارية، وتعزيز قدراتها على التفاوض في بيئة دولية شديدة التقلب.
تلعب الأونكتاد دوراً محورياً في تقديم الأبحاث والمشورة الفنية لهذه الدول، حيث توفر تقارير دورية حول التجارة والاستثمار، وتساعد في تطوير استراتيجيات وطنية للتنمية الاقتصادية المستدامة. ومع ذلك، فإن تقليص التمويل وغياب الموارد البشرية الكافية يهددان بعرقلة هذا الدور في وقت تحتاج فيه هذه البلدان إلى دعم أكبر من أي وقت مضى.
أكدت جرينسبان في تصريحاتها أن “ما يقلقني ليس فقط فقدان الوظائف، بل قدرتنا على تلبية الطلب المتزايد على خدماتنا. نحن في لحظة حاسمة من النظام التجاري العالمي، ولا يمكننا التراجع”.
من المقرر أن تتخذ الجمعية العامة للأمم المتحدة والدول الأعضاء القرار النهائي بشأن ميزانية الأونكتاد في سبتمبر المقبل، بعد استعراض المقترحات المقدمة من جنيف. وحتى ذلك الحين، سيظل مستقبل الوكالة معلقًا على خيط رفيع من التوازنات السياسية والتمويلية.
أما بالنسبة للمجتمع الدولي، فإن مستقبل التجارة العالمية يبدو أقل استقراراً مع كل يوم ينقضي دون حلول للتوترات، وكل دولار يُسحب من ميزانيات المؤسسات التي تعمل على تخفيف الصدمات الاقتصادية على الدول الأكثر هشاشة.
تم نسخ الرابط
