أرباح الحرب تثير صراع الثروات.. الطفرة في الغاز الأسترالي تبرز قضية الضرائب وتقسيم الأرباح – شاشوف


أدت الحرب على إيران وزيادة أسعار الغاز العالمية إلى ارتفاع عائدات صادرات الغاز الطبيعي المسال الأسترالية، متوقعة أن تصل إلى 65 مليار دولار أسترالي بحلول يونيو 2027. لكن هذه الطفرة أثارت جدلاً سياسيًا حول توزيع الثروات، حيث أيد 60% من الأستراليين فرض ضريبة إضافية على صادرات الغاز. رغم ذلك، استبعدت الحكومة هذا الاقتراح، مما زاد الجدل حول العدالة الاقتصادية. ورغم الأرباح الضخمة، تعاني السوق المحلية من ارتفاع الأسعار ونقص الإمدادات. تواجه أستراليا تحديات للحفاظ على مكانتها كمصدر عالمي مع الحاجة لإصلاح ضريبي يضمن عوائد عادلة للمواطنين.

تقارير | شاشوف

أسفر النزاع مع إيران والاضطرابات في الملاحة بمضيق هرمز عن تحقيق قطاع الغاز الطبيعي المسال في أستراليا مكاسب غير مسبوقة، حيث ارتفعت أسعار الغاز العالمية واستمر الطلب على الإمدادات الأسترالية. ومع ذلك، تحولت هذه الزيادة إلى أزمة سياسية داخلية مع تصاعد المطالب بزيادة الضرائب على شركات الغاز وتوزيع ثروة أكبر على المواطنين.

تشير أحدث التوقعات التي حصل عليها ‘شاشوف’ إلى أن إيرادات صادرات الغاز الطبيعي المسال الأسترالية ستصل إلى حوالي 65 مليار دولار أسترالي (45 مليار دولار أمريكي) خلال السنة المالية التي تنتهي في يونيو 2027، بزيادة تتجاوز 40% مقارنة بالتقديرات التي كانت موجودة قبل الأزمة، بعد أن أدى انقطاع الإمدادات من الخليج إلى تغيير الوضع في السوق العالمية من فائض متوقع إلى نقص خلال العامين المقبلين.

كما يُتوقع أن تحقق شركات وودسايد إنرجي وسانتوس أرباحاً صافية مشتركة تقترب من 6 مليارات دولار أمريكي في عام 2026، وهو ما يعادل تقريباً ضعف التقديرات التي كانت متاحة قبل عام.

لكن هذه المكاسب القياسية لم تمر دون جدل داخل أستراليا، بل أثارت نقاشات سياسية واقتصادية عميقة حول عدالة توزيع عوائد الموارد الطبيعية، حيث ارتفعت الانتقادات حول تحقيق الشركات لأرباح ضخمة بسبب أزمة دولية، مع عدم انعكاس تلك المكاسب بشكل كافٍ على المواطنين أو الميزانية العامة، خصوصًا في ظل استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة وضغوط المعيشة.

مليارات تتدفق إلى الشركات.. وغضب يتصاعد بسبب “العائد الضريبي المحدود”

تحولت الطفرة المفاجئة في أرباح شركات الغاز إلى قضية عامة، بعدما أظهرت استطلاعات رأي حديثة أن أكثر من 60% من الأستراليين يؤيدون فرض ضريبة إضافية بنسبة 25% على صادرات الغاز الطبيعي المسال، لضمان حصول الحكومة على نصيب أكبر من الأرباح الاستثنائية الناجمة عن الحرب. وذلك رغم استبعاد حكومة رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي لهذا الاقتراح من موازنة مايو الماضي، مفضلة الإبقاء على النظام الضريبي الحالي.

يزداد الجدل تعقيدًا مع وجود حوالي 80% من إنتاج الغاز الأسترالي الموجه للأسواق الخارجية، بينما تُواجه السوق المحلية مخاطر نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار.

يرى العديد من الاقتصاديين أن المفارقة تكمن في أن دولة تُعتبر من أكبر مصدري الغاز عالميًا لا تزال تعاني من تحديات في تأمين احتياجاتها الداخلية بأسعار مستقرة، وهو ما دفع المشرعين من مختلف الاتجاهات السياسية إلى المطالبة بإعادة النظر في سياسات التصدير والضرائب.

تشير التقديرات الرسمية التي رصدها ‘شاشوف’ إلى أن قطاع الغاز أصبح ثالث أكبر مصدر للصادرات الأسترالية بعد الذهب وخام الحديد، كما يُتوقع أن تتجاوز قيمة صادرات قطاع الموارد والطاقة بأكمله 416 مليار دولار أسترالي في السنة المالية 2026-2027، وهو مستوى تاريخي يعكس عمق الاستفادة من اضطرابات أسواق الطاقة العالمية، ولكنه يضاعف أيضًا الضغوط الشعبية لمراجعة توزيع عوائد هذه الثروة.

نفوذ الشركات تحت المجهر.. إصلاحات ضريبية وصراع بين الاستثمار والعدالة الاقتصادية

أصبح الجدل في أستراليا متعدداً، حيث يشمل ليس فقط حجم الأرباح التي حققتها شركات الغاز، بل النفوذ السياسي والاقتصادي الذي يمتلكه القطاع. تُوجه الاتهامات بأن القوانين الضريبية الحالية تمنح الشركات مزايا واسعة تقلل من مساهمة الصناعة في الإيرادات العامة.

تتركز الانتقادات على ضريبة أرباح الموارد البترولية (PRRT)، التي تتيح للشركات ترحيل خصومات الإنفاق الرأسمالي والاستكشاف لسنوات طويلة قبل احتساب الأرباح الخاضعة للضريبة، مما أدى، وفقًا لخبراء اقتصاد، إلى انخفاض العائدات الضريبية مقارنة بالقيمة الفعلية للصادرات.

وفي هذا السياق، يقدر معهد أستراليا أن العديد من شركات الغاز متعددة الجنسيات دفعت ضرائب وإتاوات أقل بكثير من العوائد التي حققتها خلال العقد الماضي، مشيرًا إلى أن شركة إنبكس اليابانية صدّرت غازًا بلغ قيمته 21 مليار دولار أسترالي بين عامي 2015 و2025 دون تسديد ضرائب شركات أو إتاوات تُذكر على بعض مشاريعها، مما أعاد إشعال المطالب بإعادة هيكلة النظام الضريبي بشكل كامل.

وردًا على ذلك، تؤكد جمعية منتجي الطاقة الأستراليين أن القطاع ضخ حوالي 22 مليار دولار أسترالي كضرائب وإتاوات خلال السنة المالية 2024-2025، محذرة من أن أي زيادات ضريبية أخرى قد تؤثر سلبًا على الاستثمارات المستقبلية وأمن الطاقة.

تمتد دائرة المطالب بالإصلاح لتشمل أحزاباً غير يسارية، حيث دعا سياسيون من تيارات مختلفة، ومنهم السيناتور المستقل ديفيد بوكوك والسياسية بولين هانسون، إلى إنشاء آليات جديدة تضمن حصول الحكومة والمواطنين على نصيب أكبر من ثروات الغاز، سواء عبر فرض رسوم على الصادرات أو منح الدولة حصصاً مباشرة في المشاريع الجديدة. ويظهر هذا التوافق النادر كيف أصبح ملف الغاز قضية سياسية تتصدر النقاش العام وسط استمرار أزمة ارتفاع تكاليف المعيشة.

أرباح استثنائية اليوم.. لكن مستقبل الصناعة يواجه تحديات صعبة

على الجانب الآخر، تصر شركات الطاقة على أن الأرباح الحالية جاءت نتيجة استثمارات ضخمة تمتد لعقود، وأن الحفاظ على تنافسية أستراليا في سوق الغاز العالمية يتطلب استقرارًا تشريعيًا وماليًا.

تحذر الشركات من أن فرض ضرائب إضافية أو إلزامها بتخصيص نسب أكبر من الإنتاج للسوق المحلية قد يقلل من جاذبية البلاد للاستثمارات الجديدة، خاصة مع تزايد المنافسة من الولايات المتحدة وقطر، اللتين تقودان موجة توسع تاريخية في مشاريع تصدير الغاز الطبيعي المسال.

وفقًا لتوقعات وكالة الطاقة الدولية (IEA)، من المتوقع أن تنمو الطاقة الإنتاجية العالمية للغاز الطبيعي المسال بأكثر من 250 مليار متر مكعب سنويًا بحلول نهاية العقد الحالي، مما يعني أن أستراليا ستواجه منافسة أكثر شراسة للحفاظ على حصتها في الأسواق الآسيوية. وفي نفس الوقت، تتزايد الضغوط البيئية على مشاريع مثل سكاربورو وباروسا وبراوزا، مع استمرار الجدل حول انبعاثات الكربون ومستقبل الوقود الأحفوري.

في ظل هذه الظروف، تبدو أستراليا أمام معادلة معقدة تجمع بين الحفاظ على مكانتها كقوة عالمية في تصدير الغاز وضمان تحقيق عوائد عادلة للمواطنين من الموارد الطبيعية.

فالأرباح التي نتجت عن حرب إيران منحت القطاع دفعة مالية غير مسبوقة، لكنها فتحت أيضًا نقاشاً واسعاً حول كيفية إدارة الثروة الوطنية. ويرجح مراقبون أن يزداد هذا النقاش حدة مع اقتراب مناقشات الموازنة المقبلة واستمرار الضغوط الشعبية لإصلاح النظام الضريبي، بما يضمن توازنًا بين جذب الاستثمار وتعظيم العوائد الاقتصادية للدولة.