آسيا: تدفقات غير مسبوقة نحو السندات وزيادة في الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي رغم التحديات – بقلم شاشوف
تشهد الاقتصادات الآسيوية تغيرات مع تراجع التوترات بين إيران والولايات المتحدة، مما أدى إلى استقرار سوق النفط وزيادة الاستثمارات. رغم هذه التحسينات، تبقى آثار الحرب تؤثر على التجارة والتضخم وأسواق العملات. تشهد المنطقة مزيجاً من نجاحات مثل ارتفاع الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي وضغوطاً على الشركات نتيجة تقلبات الطاقة. العملات مثل الين والوون تعاني من ضعف، مما يثير القلق في الأسواق المالية. ورغم تقلبات الأسهم، تبقى الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي محركاً رئيسياً للنمو، مع تدفقات قياسية إلى السندات الآسيوية، ما يزيد من جاذبية هذه الأصول.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
بدأت الاقتصادات الآسيوية إعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية مع تحول الأزمة بين إيران والولايات المتحدة إلى مسار دبلوماسي أكثر هدوءاً، مما أدى إلى استقرار أسواق النفط وعودة رؤوس الأموال إلى الأصول الآسيوية. ومع ذلك، فإن تداعيات الحرب لا تزال قائمة، حيث تؤثر على التجارة والتضخم وأسواق العملات والاستثمارات في جميع أنحاء القارة.
وفقاً لتقرير اطلع عليه ‘شاشوف’ من وكالة ‘بلومبيرغ’، تعكس المنطقة الآسيوية مزيجاً من المؤشرات الإيجابية، مثل النمو في الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي وتدفقات قياسية إلى أسواق السندات، في حين تتواصل الضغوط الناتجة عن الاضطرابات في قطاع الطاقة وتقلبات العملات وتباطؤ الطلب في بعض القطاعات.
رغم استئناف الملاحة عبر مضيق هرمز والهدوء النسبي في أسواق الطاقة، فإن آثار الحرب الإيرانية تظل ظاهرة في تجارة النفط العالمية. وقد رصد ‘شاشوف’ أكثر من 58 مليون برميل من النفط الإيراني لا تزال مخزنة على متن ناقلات تفتقر إلى وجهة تصدير مؤكدة، بينما يوجد نحو 20 مليون برميل في المياه الآسيوية، في ظل ضعف الطلب من المصافي الصينية بعد رفع العقوبات وإنهاء الحصار بموجب اتفاق السلام المؤقت.
كما تأثرت أستراليا من تداعيات الحرب، حيث سجل ميزانها التجاري عجزاً تجاوز 3 مليارات دولار أسترالي (أكثر من ملياري دولار أمريكي) بسبب انخفاض الصادرات وارتفاع الواردات، خاصة واردات الوقود التي وصلت إلى مستوى قياسي بلغ 8.6 مليارات دولار أسترالي (5.9 مليارات دولار أمريكي).
ضغوط تضخمية مستمرة والعملات في خطر
تأثرت القطاعات الاقتصادية الأخرى باضطرابات الطاقة، حيث تواجه شركات البناء في سنغافورة زيادة مستمرة في أسعار الأسمنت والخرسانة والصلب والبيتومين، على الرغم من تحسن سلاسل الإمداد.
سجلت أسعار حديد التسليح والخرسانة الجاهزة ارتفاعاً تجاوز 10% بين فبراير ومايو، مما أدى إلى تآكل هوامش أرباح شركات المقاولات. وفيما يتعلق بالتضخم، ارتفع معدل تضخم أسعار المستهلكين في كوريا الجنوبية إلى 3.2% في يونيو، بينما تباطأ التضخم في باكستان إلى 11.07% وفقاً لتقرير شاشوف، لكنه ما زال عند مستويات مرتفعة.
كما حذر بنك فيتنام المركزي من استمرار التوترات الجيوسياسية وتأثيرها على جهود السيطرة على التضخم مع المحافظة على النمو الاقتصادي.
من جهة أخرى، أصبحت أسواق العملات إحدى أبرز مصادر القلق في آسيا، خاصة مع استمرار ضعف الين الياباني والوون الكوري الجنوبي.
ارتفع الين الياباني لفترة قصيرة ليقترب من مستوى 161 يناً للدولار، قبل أن يتراجع مجدداً بعد تقارير تشير إلى احتمال تخلي السلطات اليابانية عن سياسة الانتظار المسبق للتدخل في سوق الصرف.
كما بدأ المستثمرون يناقشون احتمال وصول سعر الصرف إلى 200 ين للدولار، في حين تشير الأسواق، بنسبة تفوق 60%، إلى إمكانية رفع بنك اليابان لأسعار الفائدة مرة أخرى بحلول أكتوبر المقبل.
أدى ضعف العملة اليابانية إلى زيادة حالات إفلاس الشركات المتضررة، حيث سجلت 45 شركة إفلاسها خلال النصف الأول من عام 2026، وهو أعلى مستوى منذ عام 2022 وفقاً لمتابعات شاشوف.
في سوق السندات، قام المستثمرون الأجانب ببيع سندات حكومية يابانية بقيمة 3.12 تريليون ين خلال يونيو، مما يمثل أكبر موجة تخارج شهرية منذ ثلاث سنوات، مما دفع عوائد السندات الحكومية لأجل عشر سنوات إلى الارتفاع.
وفي كوريا الجنوبية، ظل الوون قريباً من أضعف مستوياته منذ عام 2009، حيث تم تداوله عند نحو 1553 ووناً للدولار، بالتزامن مع استعداد السلطات الكورية لإطلاق التداول على مدار 24 ساعة بدءاً من 06 يوليو الجاري، مع تأكيد وزارة المالية استعدادها للتدخل إذا لزم الأمر.
رغم هذه التقلبات، أظهر استطلاع أجراه بنك “إتش إس بي سي” أن العملات الآسيوية في الأسواق الناشئة تحظى بثاني أعلى مستويات التفاؤل بين المستثمرين عالمياً بعد عملات أمريكا اللاتينية، مما يعزز جاذبية الأصول المقومة بالعملات المحلية.
أسواق الأسهم تتراجع بقيادة شركات الرقائق
تتعرض أسواق الأسهم الآسيوية لضغوط ملحوظة، تقودها شركات تصنيع أشباه الموصلات، بعد تصاعد المخاوف من أن الاستثمارات الكبيرة في الذكاء الاصطناعي قد تجاوزت الطلب الحقيقي.
جاءت هذه المخاوف في أعقاب تقارير راجعها شاشوف تفيد بأن شركة “ميتا” تفكر في بيع جزء من فائض قدرتها الحاسوبية، بالإضافة إلى دخول شركة “أبل” في مفاوضات مع شركتين صينيتين، مما أثار مخاوف من تصاعد المنافسة الصينية على حساب الشركات الكورية.
نتيجة لذلك، تراجعت أسهم شركتي “سامسونغ إلكترونيكس” و”إس كيه هاينكس” بأكثر من 6%. كما تراجع مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي بنسبة 5%، وانخفض مؤشر نيكاي 225 الياباني بنسبة 2.33%، بينما هبط مؤشر CSI 300 الصيني بنسبة 2.3%.
في المقابل، ارتفع مؤشر هانغ سنغ في هونغ كونغ بنسبة 1.5%، وصعد مؤشر نيفتي 50 الهندي بنسبة 0.29%، بينما سجل مؤشر S&P/ASX 200 الأسترالي مكاسب طفيفة بنحو 0.02%.
الذكاء الاصطناعي يقود موجة استثمارية ضخمة
على الرغم من تراجع أسهم شركات الرقائق، يظل الذكاء الاصطناعي المحرك الرئيسي للاستثمارات في آسيا. وقد أعلن الرئيس الكوري الجنوبي “لي جاي ميونغ” عن خطة لتحويل منطقة “تشونغتشيونغ” إلى مركز عالمي للذكاء الاصطناعي، تستند إلى استثمارات مستهدفة تصل إلى 392 تريليون وون (253.9 مليار دولار) من شركات كبرى، بما في ذلك “سامسونغ” و”إس كيه هاينكس”، في مجالات أشباه الموصلات والتغليف المتقدم ومراكز البيانات.
كذلك، ارتفعت قيمة صفقات الاندماج والاستحواذ في آسيا إلى أكثر من 750 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، محققة نمواً بنسبة 30% مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، مدفوعة باستثمارات في البنية التحتية الرقمية والرعاية الصحية والذكاء الاصطناعي.
صدرت اليابان في النشاط في هذا المجال، بينما جذبت دول جنوب شرق آسيا استثمارات كبيرة في مراكز البيانات، بما فيها عروض محتملة للاستحواذ على أصول شركة “ستاك إنفراستركتشر” التي تتجاوز قيمتها 30 مليار دولار.
كما استفادت سنغافورة من إعادة توجيه رؤوس الأموال الإقليمية، في ظل تشديد الصين الرقابة على الاستثمارات الخارجية، مما عزز من مكانة بنك “دي بي إس غروب” في إدارة ثروات المستثمرين الآسيويين.
تدفقات قياسية إلى السندات الآسيوية
شهدت أسواق الدَّين في آسيا أكبر موجة تدفقات استثمارية منذ عامين، مع تزايد ثقة المستثمرين في آفاق السياسة النقدية في المنطقة.
ضخَّ المستثمرون الأجانب 8.2 مليارات دولار في سندات العملات المحلية في كل من تايلاند وإندونيسيا والهند وماليزيا خلال يونيو الماضي، وفقاً لتقارير شاشوف، وهو أكبر تدفق شهري منذ عامين.
كما ارتفع مؤشر “بلومبيرغ” للسندات الآسيوية المقومة بالعملات المحلية بنسبة 0.2% منذ توقيع اتفاق السلام المؤقت بين واشنطن وطهران، بينما تراجعت مؤشرات السندات في أوروبا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية بنسبة 0.6%.
يعتقد مدراء محافظ استثمار عالمية أن ارتفاع التضخم، وتحسن المؤشرات الاقتصادية، وجاذبية تقييمات أدوات الدخل الثابت لا تزال تدعم الاستثمار في السندات الآسيوية، مع بقاء احتمال تجدد الصراع في الشرق الأوسط أو تشديد السياسة النقدية الأمريكية من أبرز المخاطر التي قد تؤثر على الأسواق.